كشف تقرير صادر عن وزارة المالية تحت عنوان "التوليف حول قاعدة بيانات انكشاف تونس ماليًا للكوارث الطبيعية" أنّ تونس تندرج ضمن المناطق الأكثر هشاشة في مواجهة تداعيات التغيّر المناخي، في ظل تصاعد درجات الحرارة وتزايد حدّة وتواتر التساقطات المطرية، مع تباينات واضحة من ولاية إلى أخرى وفق الخصوصيات الجغرافية.
وأوضح التقرير أنّ الآفاق المناخية إلى حدود سنة 2050 تنذر بانخفاض ملحوظ في كميات الأمطار السنوية، غير أنّ هذا التراجع سيترافق مع ارتفاع في وتيرة الأمطار الطوفانية، خاصة بالشمال التونسي، ما من شأنه أن يرفع من منسوب المخاطر المرتبطة بالفيضانات ذات التأثير الكبير.
وفي السياق ذاته، أظهرت ملاحظات ميدانية تم تسجيلها خلال الفترة الممتدة بين 1997 و2008 تسجيل أكثر من 330 يومًا جافًا سنويًا، اعتمادًا على معيار تساقطات تقلّ عن 1 مليمتر، وهو ما يعكس تقلّصًا متواصلًا في كميات الأمطار المتراكمة خلال العقود الأخيرة، لا سيما في فصل الشتاء وبداية الربيع.
ومنذ سنة 1950، سُجّل تراجع بنسبة 5% في المعدل السنوي للتساقطات المطرية في كل عقد، بالتوازي مع تفاقم الظواهر المناخية القصوى، حيث باتت الأمطار الغزيرة أكثر تواترًا، خصوصًا في شمال البلاد.
وتنسجم هذه المعطيات مع تقارير الأمم المتحدة التي تؤكد أنّ تغيّر المناخ يشكّل السبب الرئيسي لتضاعف الكوارث الطبيعية عالميًا خلال العشرين سنة الأخيرة، بما في ذلك تونس.
وفي هذا الإطار، عبّرت منظمة «غرينبيس» الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في بيان أصدرته يوم الثلاثاء 20 جانفي 2026، عن قلقها البالغ إزاء السيول الجارفة والفيضانات المميتة التي شهدتها عدة مناطق تونسية، والتي أسفرت عن وفاة أربعة أشخاص (ارتفعت الحصيلة إلى خمسة يوم الأربعاء)، إضافة إلى تشريد عشرات العائلات وتسجيل أضرار جسيمة في البنية التحتية، وفق ما ورد في البيان.
وأوضحت المنظمة أنّ هذه الفاجعة جاءت عقب العاصفة "هاري" التي تواصلت لساعات، متسببة في شلل شبه تام للحياة اليومية وإطلاق نداءات استغاثة بعدد من الجهات، مع تسجيل كميات أمطار قياسية تُعدّ من الأشد منذ أكثر من 70 عامًا.
وفي تصريح ضمن البيان ذاته، شدّدت كنزي عزمي، مسؤولة الحملات الإقليمية في "غرينبيس" الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على أنّ هذه المأساة ليست حدثًا معزولًا، معتبرة أنّه «للأسف، ليست هذه المرة الأولى التي نقدّم فيها تعازينا لعائلات ضحايا تغيّر المناخ، فهذه كارثة متكرّرة ولا يمكن فصلها عن واقع الأزمة المناخية"، متسائلة:"كم من الأحبّة علينا أن نفقد؟ وكم مرة سيُجبر المواطنون على إعادة بناء الطرق والمنازل والبنية التحتية، قبل أن تتعرّض للتدمير مجددًا؟".
وأضافت عزمي أنّ المجتمعات المحلية تدفع ثمن أزمة لم تكن طرفًا في صناعتها، مبرزة أنّ مساهمة تونس في الانبعاثات التراكمية العالمية لثاني أكسيد الكربون لا تتجاوز 0.05%، مقارنة بالولايات المتحدة التي تتحمّل وحدها قرابة 20% من إجمالي الانبعاثات التاريخية.
وأكدت أنّ هذه الكوارث ليست عشوائية ولا مجرد ظواهر طبيعية، بل تمثل نتيجة مباشرة لعقود من الاعتماد المكثف على الفحم والنفط والغاز، معتبرة أنّ بلدان المنطقة تواجه اليوم تحديًا مزدوجًا يتمثل في نقص التمويل المخصص للتكيّف مع تغيّر المناخ، وغياب آليات فعّالة للمحاسبة.
وختمت مسؤولة الحملات الإقليمية في "غرينبيس" بدعوة الملوّثين التاريخيين إلى تحمّل مسؤولياتهم الأخلاقية والمالية تجاه الخسائر المتتالية، عبر الإسراع في التخلي عن الوقود الأحفوري، وخفض الانبعاثات من المصدر، وتوفير التمويل المناخي المخصص للتكيّف والخسائر والأضرار، مؤكدة أنّ "تفادي المآسي المستقبلية ممكن، لكنه يقتضي تحركًا مناخيًا عاجلًا، لا مزيدًا من المماطلة".