آراء

الدبلوماسية العُمانية: حياد استراتيجي ونهج راسخ للاستقرار

 بقلم: السفير الدكتور هلال بن عبدالله السنان سفير سلطنة عُمان لدى الجمهورية التونسية

تستند السياسة الخارجية لسلطنة عُمان، في ظل الرؤية الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه –، على ركائز من الحياد الإيجابي والاستقلالية الاستراتيجية. وهذا النهج يعكس هوية حضارية وأمانة تاريخية، مَكّنت مسقط من أن تُصبح ميزان الثقة وجسر الوئام بين أطراف قد لا تلتقي إلا في رحاب العاصمة العُمانية.
لطالما توقفت الدوائر السياسية الدولية أمام سر تفضيل القوى الإقليمية والدولية لـ "مسقط" كمنصة تفاوضية أساسية. والإجابة تَكمُنُ في جوهر العقيدة السياسية العُمانية؛ فسلطنة عُمان تنتهج مساراً جوهره التقريب وتغليب الحوار والمنطق والمصلحة العليا مما جعل دورها كوسيط محايد تماماً أمراً فريداً ومطلوباً في المنطقة.
لقد نجحت عُمان في تكريس نموذج الوسيط المتجرد الذي لا يسعى لفرض أجندات خاصة، ولا يبتغي مكاسب نفوذ على حساب أطراف النزاع. هذا الحياد الموثوق هو ما جعل عواصم القرار تختار مسقط لإدارة أكثر الملفات حساسية، إدراكاً منها أن السياسة العُمانية لا تستخدم أوراق الوساطة للمساومة، بل تمنح المفاوضين بيئة من السكينة والسرية.
محطات استراتيجية في مسيرة "الدبلوماسية الهادئة"
لقد ترجمت سلطنة عمان هذا التفوق الدبلوماسي عبر محطات تاريخية موثقة بالنتائج الملموسة:
- الملف النووي الإيراني: انطلقت البداية للاتفاق النووي من تفاهمات مسقط الهادئة عام 2012، وتُوّجت بإتفاق 2015 واستمر هذا الدور كقناة لا غنى عنها، وصولاً إلى الحراك الدبلوماسي المكثف خلال عام 2025، حيث أعادت الدبلوماسية العُمانية بـ "طول نَفَسها" المعهود ضبط التوازنات وتجنيب المنطقة منزلقات خطيرة.
- الأزمة اليمنية (الجار والشقيق): منذ عام 2015، بقيت سلطنة عمان الطرف الذي يفتح أبوابه وقلبه لجميع الفرقاء بمسافة واحدة من الجميع. وبفضل هذا القبول، نجحت في تيسير هدن تاريخية (2022–2024)، وإنجاز صفقات إنسانية لتبادل الأسرى، معتمدة على قاعدة "الجوار الصادق" الذي يضمد الجراح دون التدخل في الشؤون الداخلية.
- الوساطات الإنسانية الدولية: لم يقتصر الدور على الإقليم، بل امتد ليشمل تخفيف التوترات الدولية وحماية رعايا الدول المختلفة. وقد أشادت الأمم المتحدة، ومنهم المبعوث الأممي هانس غروندبرغ وقبله من المبعوثين الأمميين، بمسقط باعتبارها الشريك المحوري الذي يوفر المساحة الموثوقة والضرورية لتعزيز فرص السلام في المنطقة.
ريادة وزارة الخارجية: وفاءًا للرؤية السلطانية
إن العمل الدؤوب لوزارة الخارجية العُمانية، بقيادة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، يرتكز على تنفيذ التوجيهات السامية بجعل سلطنة عمان منارة للوئام. فاستقرار المنطقة يُنظر إليه في الدبلوماسية العُمانية على أنه كل لا يتجزأ، وبناء الثقة يتطلب صبراً استراتيجياً وإخلاصاً في النية، وهو ما توفره مسقط بامتياز، بعيداً عن صخب المزايدات وضجيج الإعلام.
إن نجاح الدبلوماسية العُمانية يثبت للعالم أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعلو الصوت، بل برصانة العقل وصدق المقصد. وتحت قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، ستظل سلطنة عمان تؤدي رسالتها الإنسانية والتاريخية كصانعة للسلام، وملاذ آمن للحوار، ومحور أساسي للاستقرار، مؤكدة أن مسقط ستظل دائماً الوجهة الأولى حين تضيق السبل ويصبح الحوار ضرورة لا غنى عنها لصون كرامة الإنسان واستقرار الأوطان.