افتُتحت مساء أمس الخميس 5 مارس 2026 ببطحاء الحلفاوين في مدينة تونس العتيقة الدورة الرابعة لتظاهرة "تجليات الحلفاوين" التي ينظّمها المسرح الوطني التونسي تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، لتتواصل فعالياتها إلى يوم 10 مارس الجاري ضمن برنامج فني وثقافي متنوّع يجمع بين المسرح والفنون الأدائية والإنشاد والموسيقى والعروض الفرَجوية.
وسجلت سهرة الافتتاح حضور جمهور غفير من أهالي الحي وروّاد المدينة العتيقة، الذين توافدوا على ساحة الحلفاوين لمتابعة أولى عروض التظاهرة التي دأبت في السنوات الأخيرة على إحياء هذا الفضاء العام وإعادته إلى واجهة النشاط الثقافي خلال شهر رمضان.
وانطلقت فعاليات اليوم الأول بسلسلة من العروض الفنية التي جمعت بين الفرجة المسرحية والتجارب الفنية المعاصرة. ففي حدود الساعة التاسعة ليلا احتضنت بطحاء الحلفاوين عرضا لفن "الكلاو"ن قدمه طلبة المدرسة التطبيقية للحرف المسرحية "مدرسة الممثل" في إطار ورشة تأطير يشرف عليها مختص في هذا الفن. وقدم الطلبة عرضا تفاعليا اتسم بالاعتماد على الأداء الجسدي والإيمائي، مستندا إلى تقنيات المسرح الحركي والكوميديا الجسدية.
"هيام" عرض صوفي لأحمد جلمام
وتواصل برنامج السهرة مع عرض فرجوي بصري بعنوان "Just Robotics Show"، وهو عرض يعتمد على المؤثرات الضوئية والتقنيات البصرية الحديثة حيث قدّم تجربة تجمع بين الحركة والضوء والإيقاع وتميّز بالإبهار فاستقطب اهتمام الحاضرين.
وكان العرض الرئيسي لسهرة الافتتاح مع المنشد الصوفي أحمد جلمام الذي قدم عرضا موسيقيا بعنوان "هيام"، وهو عمل يقوم على المزج بين الإنشاد الصوفي والتراث الموسيقي التونسي في صيغة تعتمد الارتجال والتفاعل مع اللحظة الفنية. وقد أوضح جلمام أن تسمية العرض تعود إلى فكرة "الهيام في رحاب الله"، مشيرا إلى أن العمل لا يقوم على برنامج ثابت أو ترتيب مسبق للأغاني وإنما يعتمد على الارتجال الروحي وحرية الانتقال بين المقامات والقطع الإنشادية بحسب الإحساس اللحظي وتفاعل الجمهور.
ويستند العرض إلى تجربة موسيقية تجمع بين التأثيرات المغاربية وبعض الملامح العالمية التي اكتسبها الفنان خلال مشاركاته الفنية خارج تونس خاصة في الهند وتركيا، غير أن البناء الموسيقي للعمل يبقى قائما أساسا على النغمات التونسية التقليدية. وفي هذا السياق قدم جلمام مجموعة من الأعمال التراثية التي أعاد إحياءها وتقديمها في صيغة متجددة من بينها "قمرة الليل" و"الليل زاهي" و" لطيف". كما أشار إلى أن مشروعه الفني يقوم على العودة إلى المدارس القديمة في الإنشاد الديني التونسي، وإعادة الاعتبار لبعض الأغاني الروحية التي لم تعد متداولة بكثرة في المشهد الفني المعاصر.
تظاهرة متعددة الاختصاصات
وفي تصريح إعلامي على هامش الافتتاح، أفاد مدير المسرح الوطني التونسي الدكتور معز المرابط بأن تظاهرة "تجليات الحلفاوين" تقوم على ثلاث خصوصيات رئيسية. أولها اختيار الفضاء العام ركحا للعروض الفنية، إذ تقام مختلف الفعاليات في بطحاء الحلفاوين وهي ساحة تاريخية في المدينة العتيقة ارتبطت لسنوات طويلة بالحياة الاجتماعية والثقافية في المنطقة.
أما الخصوصية الثانية فتتمثل في الطابع متعدد الاختصاصات للتظاهرة، حيث تتضمن برمجتها عروضا مسرحية وفنونا أدائية وعروض سيرك ورقصا إلى جانب الموسيقى والسينما، في محاولة لتنويع المقترحات الفنية واستقطاب شرائح مختلفة من الجمهور. في حين يتعلق الجانب الثالث بالبعد الروحاني والتراثي للبرمجة بما يتماشى مع أجواء شهر رمضان المعظم، حيث تتضمن التظاهرة عروض إنشاد صوفي وموسيقى تراثية إلى جانب مشاركات للفرقة الوطنية للفنون الشعبية.
برنامج متواصل إلى 10 مارس
ويتضمن برنامج الدورة الرابعة عددا من العروض الفنية المتنوعة التي سيشارك فيها فنانون من تونس وخارجها، من بينهم الشيخ فاضل السقا في عرض الاختتام، بالإضافة إلى عروض موسيقية وشبابية يقدمها فنانون من بينهم نضال يحياوي وسي المهف. كما تحتضن التظاهرة عروضا مسرحية من بينها مسرحية "فلة» لمركز الفنون الدرامية والركحية بتطاوين، بالإضافة إلى عرض مسرحي من صفاقس بإخراج عمر بن سلطانة مقتبس عن رواية "أحدب نوتردام" للكاتب "فيكتور هوغو" ويشارك فيه عدد من الممثلين الشباب. وتولي التظاهرة أيضا اهتماما خاصا بالعروض الموجهة للأطفال والناشئة، من خلال تقديم أعمال مسرحية تمزج بين الموسيقى والأداء الركحي بما يهدف إلى استقطاب العائلات وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة للتعرّف إلى الفنون الأدائية.
وأشار منظمو التظاهرة إلى أن ساحة الحلفاوين تستوعب ما يقارب ألفي متفرج، وقد شهدت سهرة الافتتاح حضورا جماهيريا لافتا، ما يعكس الاهتمام المتزايد بهذا الموعد الثقافي الذي أصبح جزءا من المشهد الفني الرمضاني في العاصمة. وتسعى تظاهرة "تجليات الحلفاوين" من خلال برمجتها إلى إحياء الفضاءات العامة في المدينة العتيقة وإعادة الاعتبار لدورها الثقافي عبر تقديم عروض فنية متنوعة موجّهة إلى جمهور واسع من روّاد الثقافة وسكان المنطقة.