وطنية

تونس : 80% من الأطفال ضحايا عنف عائلي

 اعتبر أستاذ علم الاجتماع محمد الجويلي أنّ العنف ليس ظاهرة مستجدة، بل هو مكوّن قائم في الطبيعة البشرية، غير أنّ المجتمعات دأبت تاريخيًا على تطويقه والحدّ من حدّته عبر منظومة متكاملة من القيم والأخلاق، إلى جانب المؤسسات التربوية والدينية والثقافية. ولفت إلى أنّ هذه المنظومة شهدت، في السنوات الأخيرة، تراجعًا واضحًا، ما جعل الفاصل بين خلاف بسيط وارتكاب جريمة خطيرة أقصر بكثير ممّا كان عليه سابقًا.

وحذّر الجويلي، في تصريح لإذاعة “إكسبراس” اليوم الثلاثاء 10 فيفري، من تصاعد مظاهر العنف داخل المؤسسات التربوية، معتبرًا أنّ المدرسة التونسية لم تعد تؤدي دورها التقليدي في بناء الشخصية وترسيخ القيم، بل تحوّلت في بعض الحالات إلى فضاء يعيد إنتاج العنف بدل احتوائه، في ظل تحوّلات اجتماعية عميقة عرفها المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أنّ جزءًا هامًا من العنف المدرسي يرتبط بالسياق العائلي والاجتماعي، مشيرًا إلى أنّ دراسات وطنية بيّنت أنّ 8 من كل 10 أطفال في تونس يتعرّضون لأشكال مختلفة من العنف داخل الأسرة، سواء كان ماديًا أو معنويًا أو رمزيًا، وهو ما يجعل المدرسة تستقبل تلاميذ محمّلين بآثار هذا العنف، قبل أن تتحوّل بدورها، في بعض الحالات، إلى فضاء يعيد إنتاجه.
وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أنّ العنف لم يعد يقتصر على صوره التقليدية، بل تغيّرت مضامينه وأدواته مع التحوّلات الاجتماعية والثقافية، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة الفرجة والتقليد، وهو ما ساهم في تطبيع السلوك العنيف لدى شريحة من الشباب.
وبيّن الجويلي أنّ العلاقة بالمدرسة شهدت تحوّلًا جذريًا، إذ لم تعد تُنظر إليها كمؤسسة تربوية ذات قيمة رمزية وهيبة، بل كمجرد مرفق خدماتي يُطالب بتوفير المعرفة والشهادة فقط.
واعتبر أنّ المدرسة التونسية ما تزال تعتمد أساسًا على منطق نقل المعرفة والحشو المعرفي، مع إهمال الجوانب التربوية الأساسية مثل تنمية الاستقلالية، والعمل الجماعي، والتعبير عن الذات، والانفتاح على المحيط الاجتماعي والبيئي.
وأضاف أنّ هذا الاختزال أفقد المدرسة قدرتها على احتضان التلاميذ نفسيًا واجتماعيًا، وخلق مناخًا طاردًا وغير جاذب، ساهم في تفشّي مشاعر الإحباط والنفور، ليس فقط لدى التلاميذ، بل حتى في صفوف المدرّسين.
وشدّد الجويلي على أنّ التصدّي لظاهرة العنف المدرسي لا يمكن أن يقتصر على المقاربات الأمنية أو الزجرية، بل يستوجب معالجة ثقافية وتربوية واجتماعية شاملة، تنطلق من الأسرة ولا تتوقّف عند أسوار المدرسة. ودعا في هذا الإطار إلى إعادة الاعتبار للدور التربوي المتكامل للمؤسسة التعليمية، عبر توفير فضاءات آمنة للحوار والتعبير، وتكوين المدرّسين في إدارة النزاعات، وتعزيز الإحاطة النفسية والاجتماعية بالتلاميذ، وبناء شراكة فعلية بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني.
وختم بالقول إنّ العنف المدرسي يعكس تحوّلات المجتمع ككل، ولا يمكن فصله عن سياقه العام، معتبرًا أنّ بناء مدرسة آمنة وجاذبة يمرّ حتمًا عبر إعادة ترسيخ منظومة القيم المشتركة، وتعزيز ثقافة الاحترام والانتماء والحوار بدل الإقصاء والتوتّر.